الدولة الدينية ومخاطر تفتيت دول الشرق الأوسط
بقلم: بولس رمزي
النمو المتزايد الملحوظ في بلدان منطقة الشرق الأوسط يضع هذه الدول أمام مخاطر من المؤكد تحققها في حال إستمرار..
بقلم بولس رمزى
النمو المتزايد الملحوظ في بلدان منطقة الشرق الأوسط يضع هذه الدول أمام مخاطر من المؤكد تحققها في حال إستمرار هذا الخطر الداهم المتمثل في الإتجاه وبقوة إلى الدولة الدينية بإلقاء نظرة على دساتير معظم بلدان المنطقه فنجدها تعطي الدولة الصبغة الدينية وهنا لا نكتفي بالنصوص الدستورية ذات الصبغة الدينية لكن الأهم من ذلك الثقافة السائدة بين شعوب ومجتمعات المنطقة التي إلتقفتها جماعات التطرف والغلو الديني بعد أن فقدت هذه الشعوب الثقة في حكوماتها لذلك فإن حكومات دول المنطقة بتصرفاتها الغبية فقدت مصداقيتها وساعدت جماعات الغلو الديني في إصطياد شعوب المنطقة إلى التوجه الديني المتطرف تحت شعار "الإسلام هو الحل" تميهداًَ لوصول هذه الجماعات إلى كرسي الحكم في خطط هادئة ومدروسة تعتمد على كسب أرضية جماهيرية كاسحة وفي غفلة وضعف الحكام يتم القفز على كرسي الحكم وإختطافه.
وما حدث في تركيا خير مثال على هذه الجماعات التي ركبت موجة الديموقراطية تمكنت من إختراق مؤسسات الدولة التركية وتمكنت من إختطاف البرلمان التركي والحكومة التركية وكذلك رئاسة الجمهورية تحت غطاء أن هذا الحزب الديني في تركيا أعلن في أكثر من مناسبة أنه يؤمن بعلمانية الدوله ويكرس هذا التوجه العلماني وعندما إستلم مقاليد الحكم في البلاد قام بتعديلات دستورية تتنافي مع الدولة العلمانية وتكرس الدولة الدينية فإن هذه الجماعات تهادن وتكذب ولا تغير من أهدافها وأن غيرتها ظاهرياًَ لكن سوف تكون أهدافها الأصلية هي الأهداف الرئيسية والتعديلات الظاهرية ماهي إلا أكاذيب وخداع.
المتابع للأمور في منطقة الشرق الأوسط نجد مخاطر الدولة الدينية تحدق بنا من كل جانب على النحو التالي:
أ – لا ننسي هياج وثورة الحكومات العربية عندما كرس الرئيس الأمريكي جورج بوش في تصريحاته بأن اسرائيل دولة يهودية فإن كل الدول العربية تعترف بوجود دولة إسرائيل وقد تخلت عن مبدأ إلقاء إسرائيل في البحر لكنها لا تقبل بإن تكون إسرائيل ذات الأغلبية اليهودية بأن يطلق عليها دولة يهودية مستخدمة في ذلك المعاهدات والمواثيق الدولية في شأن حقوق الإنسان حيث أن المجتمع الإسرائيلي يحوي على بضعة الآف لا يدينوا بالديانة اليهودية وهذا يتنافي مع المواثيق الدولية في هذا الشأن وانا مع هذا ولا أقبل بأن تكون إسرائيل دولة يهودية بل من الأفضل أن تكون دولة ديموقراطية مدنية ولكن في المقابل هل ستتخلى مصر عن المادة الثانية من الدستور التي تنص صراحة على أن مصر دولة إسلامية بالرغم من أن المجتمع المصري يحتوى على أكثر من خمسة عشر مليوناًَ من الأقباط الذين لا يدينون بالإسلام!!!! هل ستغير مصر هذه المادة العنصرية لتكون مصر دولة مدنية ديموقراطية وتبعد الدين تماماًَ عن الدولة؟؟؟
ب – نجد في لبنان المشكلة الكبرى التي تبرهن مخاطر الدولة الدينية بإمتياز بالرغم من أن الدستور اللبناني لا ينص على أن لبنان دولة تنتمي لأي دين لكن في مضمونه كرس الدولة الطائفية وتداخلات القمم الدينية في المنطقة ساهم بشكل كبير جداًَ في تمزيق الدولة اللبنانية فنجد الوهابية السعودية السنية تعم بكل قوتها الطائفة السنية في لبنان بقيادة سعد الحريري وكذلك الدولة الإيرانية الشيعية تدعم الشيعة في لبنان بقيادة حسن نصر الله ونبيه بري وكذلك نجد أوروبا وأمريكا يدعمون المسيحيون الذين أنشئت الدولة اللبنانية في الأساس من أجلهم وهنا نجد أن لبنان ممزقاًََ ضائعاًَ بين القوى الثلاث غير قادر على إنتخاب رئيساًَ له وبالتالي فنحن في لبنان أمام أحد خيارين:
الخيار الأول: التخلى عن الدولة الطائفية.
الخيار الثاني: تقسيم لبنان
ولن يقبل أي طرف من الأطراف الثلاثة الفاعلة في لبنان خيار التخلى عن الطائفية وسوف نجد أنفسنا اما الخيار الثاني وهو خيار التقسيم والتفتيت.
ج – الدولة العربية الكبرى مصر ليست أوفر حظاًَ من غيرها فنجد في مصر جماعة الإخوان المسلمين يلعبون بنفس الطريقة التي إستخدمها حزب العدالة الإسلامي فإنهم يعدون أنفسهم للقفز على السلطه في مصر مستخدمين الضغوط الدولية على الحكومة المصرية في المزيد من الديموقراطيه للقفز على السلطه التي فقدت البقية الباقية من مؤيديها وهنا نجد الحكومة المصرية تلعب على جميع الحبال بالرغم من وجود المادة الأولى من الدستور التي تكرس المواطنة والديموقراطية وكذلك المادة الخامسة التي تحظر قيام أحزاب او جماعات سياسية على أساس ديني فنجد أن المادة الثانية من الدستور المصري تضع مصر في مصاف الدول الدينية في المنطقة والأغرب من ذلك في إنتخابات مجلس الشعب السابقة نجد مرشحي الحزب الوطني الحاكم نفسه يروجون لدعاياتهم الإنتخابية مستخدمين نفس شعارات الإخوان المسلمين ونجد الحكومة المصرية على لسان احمد نظيف في المؤتمرات الدولية يصرح بأن مصر دولة علمانية وهنا كيف تكون مصر دولة علمانية او مدنية في ظل مادة دستورية تقول أن الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؟؟ وكيف تكون مصر دولة إسلامية وهناك شريحة كبرى من شرائح المجتمع المصري لا يدينون بالإسلام ولا يقبلون هذه المادة واتحدى أن يقول قبطي واحد بمحض إرادته دون ضغوط وإملاءات أنه يقبل هذه المادة العنصرية.
والطامة الكبرى في مصر إذا تمكن الإخوان المسلمين في الإستيلاء على السلطة في مصر فإننا سوف نجد إنفسنا في مصر أمام أحد خيارين:
الخيار الأول: التخلى عن الدولة الدينية
الخيار الثاني: تقسيم مصر بين المسلمين والأقباط.
ولذلك سوف نجد أن جماعة الإخوان المسلمين في حال سيطرتهم على الحكم لن يتخلوا عن الدولة الدينية في مصر وبالتالي سوف تكرس الدولة الدينية مبدأ تقسيم مصر وثرواتها بين المسلمين والأقباط.
د – أما السودان فقد تم تقسيمها في الواقع الفعلي إلى ثلاث دول محددة المعالم والهوية فنجد دولة للمسيحيين في الجنوب ودولة للمسلمين من أعراق غير عربية في إقليم دارفور في الغرب وسوف نشهد أيضاًَ إضطرابات قريبه للأعراق التي تسكن منطقة شرق السودان ليتبقي من دولة السودان الجزء المتبقي في الوسط ولا يفوتنا في أن أهم أسباب تفتيت دولة السودان التوجه الديني لحكومة حسن البشير الذي ساهم بشكل أساسي في تقسيم السودان الذي كان سلة غذاء العالم إلى ثلاث دول من أديان وأعراق مختلفة ومتباينة.
ه – بالنسبة للمغرب فنجد جبهة البليساريو تناضل من أجل أن يكون لهم دولة بإسم الجمهورية الصحراوية وذلك بسبب إختلاف أعراقهم عن الأعراق العربية وإحساسه بإنهم مهمشون في كيان الدولة المغربية ولا يشاركون في حكم المغرب وبالتالي فإن المغرب أيضاًَ متجهه وبقوة نحو التقسيم إلى دولتين.
و – في اليمن نجد الحوثيين يسببون صداعاًَ للحكومة اليمينة أيضاًَ وهؤلاء لإختلاف إنتمائهم الطائفي الديني مع الإنتماء الديني للدولة ويقاتلون من أجل الإنفصال عن اليمن وإقامة الدولة الدينية هناك.
ز – ولن تسلم سوريا من هذه المخاطر فإن الحكومة السورية تنتمي إلى الطائفة العلوية وهم أقلية في المجتمع السوري الذي يمثل ألسنة فيه الأغلبيه الساحقة ولا ننسي أكراد سوريا وحلمهم في إقامة دولة كردستان فسوف نجد في القريب إنفلات طائفي وعرقي في سوريا سوف تدعم السعودية السنه في سوريا وسوف يكون نجاح أكراد العراق في تنمية إقليم كردستان العراق عاملاًَ كبيراًَ في تشجيع أكراد في كل من سوريا وتركيا وإيران في الإنسلاخ من هذه الدول لتكون لهم دولتهم المتحضره بعيداًًُ عن التوجهات الدينية المتخلفة في هذه الدول فإن الأكراد يرفضون العيش في دولة دينية بالإضافة إلى أنهم يرغبون في العودة إلى دولتهم وحضارتهم إلا أن الدولة السورية تقمع بكل قوتها كل من الأكراد والسنه ولكنها لن تسطيع الإستمرار في هذا القمع طول الوقت لأنها سوف تكون قضية تقسيم سوريا معرضه للتدويل كما هو الحال في إقليم دارفور في السودان.
ر – اما بالنسبه للسعودية ودول الخليج فنجد أن المنطقة الشرقية في السعودية ذات أغلبية سكانية شيعية سوف تساهم إيران في إختراق هذه المنطقة للتحرر من النظام الوهابي السعودي وأن تكون لهم دولة شيعية خاصة بهم في المنطقة الشرقية السعودية الغنية بالنفط وكذلك الحال في جميع دول الخليج فهناك إختراق إيراني متمثلاًَ في أبناء دول الخليج من الطائفة الشيعية يمثلون قاعدة كبرى لإيران في أن تساهم في تفتيت دويلات الخليج إلى كانتونات شيعية.
س – اما بالنسبه للعرق فحدث ولا حرج فنحن نجد ان الدولة مقسمة فعلياًَ إلى ثلاث أقاليم متناحرة مقسمة على أساس ديني وعرقي فإننا نجد أن الشيعة يسيطرون على جنوب العراق والسنه يسيطرون على الوسط اما الأكراد فهم يسيطرون على منطقة شمال العراق في حكم ذاتي واضح المعالم ونجد أن المنطقة الكردية تمثل أفضل مناطق العراق تحضراًَ وتنمية وهدوءاًَ نسبياًَ عن المناطق الآخرى حيث أن الأكراد لا يقيمون دولة دينية فهم يكرسون النظام العلماني على مناطق نفوذهم وبالتالي هم بعيدون كل البعد عن تناحرات سنة القاعده وشيعة جيش المهدي وان اي احداث امنية تحدث في المناطق الكردية تكون بأيادي أصحاب النعرات الدينية.
أخيراًَ:
مما تقدم سوف نجد أن طوق النجاة لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها يتمثل في "علمانية الدولة" فإن العلمانية توحد ولا تفرق تحدد هدف للدولة ككل وليس لفريق على حساب الآخر وبالتالي لابد وأن تتجه كل دول المنطقة وبقوة نحو العلمانية لأنه لا يوجد خيار آخر سوى تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ والتناحر والحروب وإسالة المزيد والمزيد من الدماء بإسم الدين سوف تدخل المنطقة إلى ظلام دامس وسوف تتخلف دول المنطقة اكثر مما هي عليه الآن من تخلف وسيظل شعاري دائما هو "العلمانيه هي الحل"