وتتابع الوكالة الألمانية نقلا عن الصحيفة الألمانية القول إن الأسد " حصل على معلومات بذلك من عماد مغنية، القيادي البارز في جماعة حزب الله اللبنانية، والذي قتل بعد أيام من إيصاله المعلومات للأسد، في انفجار قنبلة في 12 فبراير/شباط الماضي بدمشق" . وتختم بالقول إن مصادر الصحيفة " رجحت (...) أن يكون أعوان شوكت قد اغتالوا مغنية انتقاما منه، وفي تسريبها للقصة (أول أمس) الجمعة قبيل مثولها للطبع قالت الصحيفة، إن بعض المتآمرين ربما تربطهم صلات بجماعات إسلامية تتبنى العنف ،...(لكن )دبلوماسيين ألمانا علموا بالواقعة ولكنهم لم يستطيعوا تأكيدها كحقيقة " . ( انتهى خبر الوكالة عن تقرير الصحيفة ، كما أعادت نشره معظم الصحف والمواقع العربية الصادرة أمس . ونحن نعني بالطبع تلك التي تمولها رساميل الدعارة الوهابية ).
نحن ، في هذا الموقع ، اعتدنا التشكيك في كل شييء وتمحيصه قبل أن نعيد نشره أو التعامل معه ، ليس حبا في التشكيك أو لأنه هوايتنا ، ولكن لأننا لا نسمح لأحد أن يأكل حلاوة بعقولنا ، ولأن قسما كبيرا مما بات ينشر حول سوريا أشبه بالشعوذة وحكايا العجائز الحيزبونات ، لاسيما إذا كان وراءه الإعلام الوهابي و " إعلام " المعارضة " السورية ، الوهابية واليمينية منها تحديدا . وربما يزداد شكنا حين توزع الخبر وكالة أنباء مشهود لها بالضحالة المهنية مثل وكالة الأنباء الألمانية و وكالة الصحافة الفرنسية . ( من يقارن بين النصوص التي تنشرها هاتان الوكالتان بلغتيهما الأم أو بالإنكليزية، و ترجمتها إلى العربية ، سيقع على مهازل وفضائح حقيقية أين منها مهازل وكالة " سانا " السورية الرسمية !) .
نحن لا نتجنى على أحد . والدليل ماثل بين يدينا الآن . فتقرير الوكالة الألمانية لا يعرف تاريخ انعقاد القمة العربية في دمشق ، فهو يشير إلى أنه كان في " شباط / فبراير" ، رغم أنه عقد أواخر آذار / مارس !؟ أكثر من ذلك : إن تقرير الوكالة الألمانية لم يكتف بهذا الجهل ، بل قام بعملية تزوير سافرة لتقرير الصحيفة الألمانية . فبالعودة إلى التقرير الصادر يوم أمس في نسخته الألمانية ( ونحن دائما نعود إلى الأصل ونضع رابطا له ، لأننا مثل النبي توما لا نصدق شيئا إلا إذا وضعنا أصابعنا عليه ، ولأننا نحترم القارىء ونمكنه من العودة إلى الأصل بنفسه ) نكتشف أن الصحيفة الألمانية تشير إلى أن تاريخ انعقاد القمة العربية كان أواخر آذار / مارس . وهي لم تخطىء في ذلك .
والآن : كيف نستطيع أن نصدق وكالة أنباء تنشر تقريرا عن حدث ، الانقلاب المزعوم ، يرتبط حدوثه المفترض بانعقاد القمة العربية ، وهي لا تعرف تاريخ انعقادها !!؟
الأغرب من هذا أن بهائم تحرير الأخبار في " العربية نت " و " إيلاف " ، وغيرهما ، نشروا الخبر كما هو ! يعني : شهاب الدين " أجحش " من أخيه أو " أضرط " منه . ( بإمكان القارىء اختيار التعبير المفضل لديه !)
هذا فيما يتعلق بتقرير الوكالة . أما فيما يتعلق بتقرير الصحيفة الألمانية فنسجل ما يلي :
أولا ـ مجرد أن تقرأ روايتها عن " اعتقال " شوكت و علاقته باغتيال مغنية ، سرعان ما يخطر على بالك ، إذا كنت متابعا فطنا ، تصريحات عبد الحليم خدام حول القضية . فهو أول من فبرك رواية وضع آصف شوكت في الإقامة الجبرية ، وأول من أشار ـ بمنطق المتعاطف معه ـ إلى أنه قد يكون ضحية للنظام عبر تلفيق تهمة التآمر له لأنه " ذكي ، ومثقف ، وله علاقات قوية مع الاستخبارات الغربية ، ويشكل تهديدا للنظام لأنه ... سني ! " ... إلى آخر الرواية الخدامية التي تعزف على الوتر المذهبي لآصف شوكت ، بعد أن اكتشف خدام أن آصف شوكت " سني " ، على حد تعبيره ! ( شيء ما يذكرك بالبراز المليء بالديدان الذي يخرجه الأصوليون من أفواههم ، رغم أنه تربى في حزب " علماني" خمسين عاما ).
ثانيا ـ تقرير الصحيفة ، وبعد أن قرأناه وفككناه بلغته الأم ـ الألمانية ، لم نعثر فيه على حرف واحد زيادة على ما قاله خدام و الصحف والمواقع الوهابية الأخرى ( " المستقبل " الحريرية ، أخبار الشرق ، الناطق باسم جناح الزرقاوي في المعارضة السورية ... إلخ ) ، سوى إشارته إلى أن شوكت زار المستشارية الألمانية في العام 2002 من أجل التنسيق في مجال مكفاحة الإرهاب . لكن ما لفت انتباهنا في النص الألماني الأصلي هو الجهل الفاضح لكاتبيه بدور هذا الرجل في سوريا . فتقرير الصحيفة يصفه بأنه " متورط في تعذيب المعتقلين السياسيين في سوريا " ! طبعا هذا الكلام محض هراء ولا أساس له ، ليس لأن شوكت " آدمي " ، فهو دون أدنى ريب واحد " أزعر بابا حسن " كما يقال بالعامية ، وما فيوزي من طراز " معتبر " ، ولكن لأنه جاء إلى المخابرات العسكرية في الفترة التي لم يعد هذا الجهاز مكلفا بمطاردة المعارضة في الداخل ، حيث أوكلت المهمة للمخابرات العامة ( أمن الدولة) برئاسة المجرم الدموي علي مملوك. وحين كان رئيسا لفرع القوات العاملة ( 293 / 2) في المخابرات العسكرية ، قبل أن يصبح رئيسا للجهاز ، لم يكن من مهمته أمور تتعلق بالمعارضة والتعذيب .. إلخ ، بل أمن جميع ما يتصل بشؤون القوات المسلحة ، مدنيين وعسكريين ومؤسسات ذات طابع مدني تابعة لوزارة الدفاع إلخ... باستثناء الضباط ( المناط أمرهم بفرع الضباط) .
في " مهنية " التقرير ومراميه السياسية المضمرة و الحقيقية :
أولا ـ طبعا من غير الممكن ، بالنسبة لأي عاقل يعرف ولو حدا أدنى عن تركيبة النظام وعمل أجهزته .. إلخ ، أن يصدق أن بشار الأسد كان يتلقى معلوماته عن نشاطات آصف شوكت من .. عماد مغنية ! هذا أمر مضحك ومثير للسخرية ، ويشبه حديث جدتي عندما كانت تروي لي وهي في الثمانين من عمرها أن حافظ الأسد محروس بجند من عند الله يمشون من حوله ولا يراهم أحد ! فإذا كان التقرير يريد الإيحاء بأن إيران تقف وراء الأمر ، كان بإمكان الإيرانيين إعلام الأسد مباشرة بأي نشاط مشبوه لشوكت ، إذا كانت لديهم معلومات حول الأمر ، وليس عبر عماد مغنية الذي لم يكن له أي علاقة بأمور الداخل السوري . فنشاطه كان يتمحور حول القضايا الأمنية ( ذات الطابع العسكري ) الخاصة بحزب الله و " المقاومة " العراقية و المنظمات الفلسطينية ـ الجهادية . ( المسؤول الأمني لحزب الله ، وبخلاف ما هو شائع ، لم يكن مغنية ، بل الحاج وفيق صفا ).
ثانيا ـ إن " حماية " النظام السوري أمنيا من أية مؤامرت ، إذا جاز التعبير ، لاسيما إذا كان لها امتدادات خارجية ، هي من مهمة الاستخبارات الروسية ، وريثة KGB ، ولا تبخل الأجهزة الفرنسية والألمانية والبريطانية بالمعلومات حين يكون ثمة ما يمكن أن يهدد الاستقرار السوري على نحو خطر . ونحن نعرف الآن بدقة وموثوقية أن الأسد تلقى تقريرا مفصلا حول النشاط الأمني السعودي ـ الأميركي ضده من المبعوث الروسي ألكسندر سلطانوف أواخر كانون الثاني / يناير الماضي . وقد حذره من " حمام دم " يحضر لسوريا ، يتضمن اغتيالات وعمليات تفجير . وبعد أقل من أسبوعين على ذلك جاءت تصفية عماد مغنية ثم رئيس مكتب خالد مشعل ، هشام فايز أبو لبدة ، المكلف بالعلاقة مع إيران وحزب الله وتأمين تواصلهما مع الداخل الفلسطيني ، لتؤكد معطيات الاستخبارات الروسية ! وتشير بعض المعلومات الخاصة ، التي لم نتأكد منها تماما بعد ، إلى أن " الانتفاضة المسلحة " التي قام بها حزب الله في بيروت كانت في جزء جوهري منها لإحباط عملية أمنية " دولية ـ إقليمية " ( سعودية ـ أميركية) في لبنان خطط لها لتتدحرج تبعاتها و " فوضاها الخلاقة " إلى دمشق لاحقا . وإذا كنا نثق بمعلومات محمد حسنين هيكل ، علينا أن نضع في هذا السياق ما قاله قبل بضعة أيام أمام نادي القضاة في مصر . حيث أكد أن 600 عنصر مسلح جرى إدخالهم إلى لبنان من الخارج إلى بيروت كجزء من التحضير لهذه العملية ، وهو ما دفع حزب الله إلى عمليته الاستباقية . كما أكد أن ثلاثة أجهزة أمن عربية متورطة في اغتيال مغنية ، بغض النظر عن نفي رأس النظام السوري هذا الأمر لصحيفة " الرأي " الكويتية أول أمس . وهو لا يستطيع إلا أن ينفي أمرا من هذا النوع لاعتبارات معروفة . لكنه ، في الآن نفسه ، يسرب خبر التورط السعودي والأردني من تحت الطاولة إلى وسائل الإعلام!
ثالثا ـ تصوروا أنه يمكن أن يجري اعتقال مئة ضابط ( وعلى رأسهم آصف شوكت !) دون أن يسمع أحد بذلك ، كما لو أنهم سرب من الذباب أو البرغش ! وأين ؟ في سوريا التي أصبحت مكشوفة و " مخردقة " أمنيا مثل أي دولة أفريقية من الدرجة الرابعة أو الخامسة ، وأصبحنا فيه ـ بفضل أجهزة الاتصالات ـ نعرف باعتقال حتى بائع متجول في أقصى زاروب في أقص مدينة سورية فور توقيفه ! شعبيا يقولون : سأله " كيف بتعرف الكذبة ؟ " ، أجابه " من كبرها " !
رابعا ـ عمدنا إلى الاتصال بالصحيفة الألمانية بهدف التحدث مع أحد الصحفيين الثلاثة الذين أعدوا التقرير . وبعد جهد جهيد امتد طيلة نهار أمس وحتى ساعة كتابة هذا التحقيق ، الرابعة عصرا بتوقيت أوربا الغربية ، استطعنا أن نعرف من كواليس الصحيفة ، أن أحدهم هو كليمنس فيرجن ( صحفي شاب من مواليد العام 1968) ! ( الثلاثة وقعوا بألقاب عائلاتهم ، ولم يشيروا إلى أسمائهم الأولى إلا بحرف واحد !) . وبصريح العبارة ، مجرد أن عرفنا أن كلينمس فيرجن هو المسؤول الأول عن المادة الخام للخبر ، قلنا لأنفسنا إن وراء الأكمة ما وراءها ، وسنبين لماذا .
كليمنس مع ميغي أو ميجي جان ، المواطنة والصحفية الإسرائيلية ـ الألمانية ، ومحررة الموقع الرسمي للجمعية الإسرائيلية ـ الألمانية
في الواقع ، وهذا أمر طبيعي ، رفض كليمنس الكشف عن " مصادره " المزعومة . لكننا استطعنا " تزليقه " خلال الحديث إلى حد الاعتراف بأنه " يعرف عبد الحليم خدام ، و المعارضين السوريين الذين يعملون معه في ألمانيا وباريس ، ويزور سوريا باستمرار ، وأنه متخصص بالشؤون السورية والعربية ، وأنه درس قضايا الشرق الأوسط في جامع هامبورغ ، وأن اعتمد في معلوماته عل مصادر إسرائيلية ديبلوماسية ( اقرأ : أمنية ) ومصادر في المعارضة السورية في ألمانيا وفرنسا... إلخ " . إلا أن ما لم يعترف به ، ووصلنا إليه بجهدنا الخاص ، هو أنه أدى خدمته المدنية في إسرائيل ، وأنه بنى علاقة وثيقة مع الأوساط الإسرائيلية الأمنية والسياسية خلال السنوات التي قضاها في تل أبيب . وربما الأهم من ذلك هو أنه يعرف ديتلف ميلس وآل الحريري ! هل اكتملت الصورة الآن !!؟ ( انقر هنـــا لتصفح محاضرة مصورة له بدعوة من جمعية الصداقة الإسرائيلية ـ الألمانية في برلين بتاريخ 6 شباط / فبراير 2006 !) .
خامسا ـ من الواضح أن للتقرير هدفا واحدا هو تبرئة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأميركية ، وملاحقها العربية ( السعودية والأردنية ) ، من تهمة اغتيال مغنية وإلصاقها بآصف شوكت على خلفية " قضية داخلية " .
لسنا هنا في معرض تبرئة آصف شوكت من الضلوع في الجريمة ، فقد كنا أول من أشار إلى أن اغتيال مغنية داخل " المربع الأمني " لأجهزة المخابرات السورية ، وهو الذي لا يعرفه بالاسم الحقيقي سوى عدد محدود جدا من ضباط النظام ، لا يمكن أن يكون إلا من خلال صفقة تم " بيعه " من خلالها إلى إسرائيل أو الولايات المتحدة ، أو على الأقل من خلال اختراق أمني لأجهزة النظام في أعلى مستوياتها .
سادسا ـ يمكن أن يكون اتهام شوكت جزءا من عملية أوسع تهدف إلى خلق جو عام هدفه الأساسي " شيطنة " هذا الرجل ( وهو بالمناسبة " ملاك " حقيقي إذا ما قيس بأساطين الإجرام الآخرين في أجهزة النظام !) ، كتمهيد لتطيير رأسه وتحويله إلى " كبش فداء " في سياق عملية " إعادة تأهيل " النظام السوري ، و " التأكيد " على أن الأعمال الإبليسية التي جرى لصقها بالنظام السوري يتحمل مسؤوليتها إبليس واحد اسمه آصف شوكت ، أما باقي أبالسة النظام فليسوا أكثر من سرب حمام وعصافير لوثت سمعتهم وطهارتهم ونقاءهم الثوري ممارسات آصف شوكت غير المسؤولة !
في الواقع ليس هذا محض تكهن ، بدليل التقرير التافه الذي نشرته صحيفة " لو فيغارو " الفرنسية يوم أول أمس لمراسلها " المحتال " جورج مالبرونو ( وليس جورج ما لبرونوت كما جاء في الترجمة البائسة والممسوخة للتقرير من قبل أخبار الشرق الوهابية السورية) . حيث زعم مالبرونو ( وثيق الصلة بالمخابرات الفرنسية ، والذي كان مخطوفا في العراق مع زميله وجرى إطلاقهما من خلال صفقة مع النظام السوري راح ضحيتها ضابط المخابرات المقدم علي فاضل ) أن شوكت " دفع ثمن إخفاقين " ، أحدهما القصف الإسرائيلي للموقع السوري في دير الزور " الذي حصل بفضل صور التقطها كرديّان يعملان لصالح الموساد الإسرائيلي للموقع " ، وثانيهما الإخفاق في الحؤول دون اغتيال مغنية في العاصمة السورية . ويستنتج مالبرونو استنادا إلى مصدره ( وهو أيضا عبد الحليم خدام كما علمنا يوم أمس !! ) "تدني وزن الاستخبارات العسكريّة (...) لصالح الاستخبارات العامّة برئاسة الجنرال علي مملوك " . أما الخلاصة النهائية التي توصل إليها مالبرونو فهي أن الأمر يأتي على الأرجح في سياق " لوكربي سورية " تهدف إلى إلباسه تهمة قتل الحريري .. إلخ !
لا بد من تسجيل الملاحظات التالية على تقرير مالبرونو الذي يشبه تقارير تلك الصحيفة الكويتية " إياها" ، ومقالات الصحافة الوهابية السورية :
أولا ـ لا المخابرات العسكرية السورية ، ولا أي جهاز آخر ( بما في ذلك جند الله الذين كانوا يحرسون حافظ الأسد حسب رواية جدتي !) كان يحمي منشأة دي الزور . وبات هذا واضحا من الصور الفضائية الدقيقة التي أثبتت أنه لم يكن في محيطه أي نقطة حراسة ، ولا حتى واوي أو جقل .. من أي جهاز كان !
ثانيا ـ إن حديثه عن العميلين الكرديين أخذه مني أنا ، كاتب هذا التقرير ، خلال لقاء لنا مؤخرا في باريس بحضور الصديقة لارا مارلو ، مراسلة صحيفة آيرش تايمز في باريس و" زوجة " الصحفي روبرت فيسك مراسل الإندبندنت في بيروت . علما بأن مالبرونو أخذ نصف حديثي وأهمل نصفه الآخر ، حيث أشرت في الحديث إلى أن الصور الأرضية للمشروع تعود إلى الفترة التي كان فيها في بدايته ، أي يوم كان " ع العضم " ولم يكن بالإمكان تحديد هويته فيما إذا كان مفاعلا أو حتى .. حظيرة لتربية الأبقار ! ويتذكر قراء " الحقيقة " أننا كنا أشرنا منذ العام الماضي إلى الاشتباه بمواطنين أكراد سوريين وعراقيين وعرب محليين جندتهم الموساد ( انقر هنــا ) . أما عملية قصفه فجاءت بالاعتماد على الصور الفضائية الملتقطة بعد سنوات . ( حصلت " الحقيقة " مؤخرا على وثيقة ستنشرها بعد التيقن منها تشير إلى أن أول من أخبر الإسرائيليين بوجود " مشروع نووي سري " في سوريا هو عبد الحليم خدام بهدف تحريض الغرب على النظام . وذلك منذ العام 2002 ، ثم في العام 2005 خلال لقاءاته في منزله بباريس مع مستشار وزير الدفاع الإسرائيلي لشؤون سوريا ولبنان و منسق الأنشطة الإسرائيلية في لبنان سابقا أوري لوبراني . وبإمكان خدام ـ وأنا أتحداه أن يفعل ـ ملاحقتي أمام القضاء الفرنسي على هذا الاتهام . وقد كررت هذا التحدي مرات عديدة في هذا الموقع دون أن يرد . فأنا لا أبعد عنه سوى بضعة كيلو مترات . وسأريه عندئذ كيف أنه ليس أكثر من نسخة بائسة من أولئك المعارضين ـ الطحالب يتوسل بأي شيء ، مهما كان حقيرا ، للوصول إلى سدة السلطة لهبش ما فاته هبشه على مدى أربعة عقود).
ثانيا ـ إن ما يسميه مالبرونو ( أو بالأصح مصدره : عبد الحليم خدام ) تدني وزن الاستخبارات العسكرية على خلفية الحدثين ، لا أساس له من الصحة . ويعرف القاصي والداني ، وهذا ليس سرا يحتاج لعباقرة وأجهزة عرمرمية كي تعرفه ، أنه تم تكليف المخابرات العامة ( أمن الدولة ) والأمن السياسي ( نسبيا) منذ تقاعد علي دوبا مطلع العام 2000 ، أي قبل أن يصبح شوكت على رأس المخابرات العسكرية وقبل أن يصبح مملوك على رأس المخابرات العامة بسنوات ، بشؤون الأمن الداخلي . وذلك بعد أن كلفت المخابرات العسكرية بهذا الأمر على امتداد عدة عقود ( بشكل خاص منذ العام 1974 عندما جيء بعلي دوبا خلفا لحكمت الشهابي على رأس المخابرات العسكرية) . والدليل على ذلك أن تسعة أعشار الاعتقالات والمطاردات السياسية في الداخل منذ العام 2000 ، إن لم يكن كلها ، قامت بها المخابرات العامة والأمن السياسي ، وليس المخابرات العسكرية . وهذا مجرد توزيع مهام يقوم به مكتب الأمن القومي بين الأجهزة بين حين وآخر تبعا لعوامل مختلفة .
الخلاصة من كل ما تقدم :
ما يجري نشره من تقارير في الصحافة الأجنبية اليمينية ، وبشكل خاص منذ اغتيال الحريري ، تبين أن تسعة أعشاره مولف ومفبرك في دهاليز ومجالس الأوساط الوهابية ـ الحريرية وامتداداتها داخل " المعارضة " السورية . والواقع ، وبعد أن اتضح مدى ضعف وهزال وتهافت وكذب هذه " المعارضة " وافتقارها إلى الحد الأدنى من المصداقية ، وعيشها على أوهام ووعود خدام والوهابيين ( الذين ما انفكوا يبشرون الناس بسقوط النظام السوري بعد شهرين أو ثلاثة منذ العام 2005 !) ، لجأت هذه المعارضة إلى تسريب هذه الأخبار إلى صحف أجنبية وإعادة ترجمتها إلى العربية ، على اعتبار أن الصحف الأجنبية أكثر مصداقية ، عملا بالمثل الشعبي الوسخ الذي يقول " زب الغريب حبيب " أو المثل الآخر " كل فرنجي برنجي " . وهو تماما ما كان يقوم به إعلام الدعارة السياسية الحريرية ( وخصوصا رمزيه النصابين فارس خشان وهاني حمود ) ، حيث يفبرك الأخبار ويرسلها إلى بعض الصحف الكويتية والسعودية ، ثم يعيد نشرها مدعيا أنه " غير مسؤول عنها ، وهي أخبار خاصة بتلك الصحف " !